Featured image of post قلب الذكاء الاصطناعي: آلية عمل التعلم العميق - كيف تتعلم الشبكات العصبية

قلب الذكاء الاصطناعي: آلية عمل التعلم العميق - كيف تتعلم الشبكات العصبية

نشرح في هذا المقال «التعلم العميق» (Deep Learning) الذي أشعل شرارة الطفرة الثالثة للذكاء الاصطناعي ويُعد التقنية الأساسية وراء ChatGPT وغيرها. وكيف يمكن لخوارزمية تحاكي الأعصاب في الدماغ البشري أن تكتشف السمات بنفسها.

1. حدود الذكاء الاصطناعي (تعلم الآلة) قبل التعلم العميق

مصطلح “الذكاء الاصطناعي” موجود منذ زمن طويل، لكن مسيرة تطوره واجهت عقبة كبيرة. في الذكاء الاصطناعي التقليدي (تعلم الآلة التقليدي)، لكي نجعل الذكاء الاصطناعي يحدد ما إذا كانت الصورة تحتوي على “قطة” أو “كلب”، كان من الضروري أن يقوم الإنسان بتعليم الذكاء الاصطناعي “السمات التي يجب التركيز عليها”. كان البشر يبرمجون سمات (كميات السمات) مثل “هل الأذنان مدببتان؟” أو “هل توجد شوارب؟"، وكان الذكاء الاصطناعي يقوم بالتصنيف بناءً على ذلك.

ولكن، هناك حدود لقدرة الإنسان على تحديد جميع السمات. الاختراق الذي حطم “جدار تصميم السمات” هذا وحقق فكرة “إذا وفرنا كميات هائلة من البيانات، سيكتشف الذكاء الاصطناعي السمات بنفسه تلقائياً” هو ما يُعرف بـ “التعلم العميق”.

2. “الشبكة العصبية” التي تحاكي الدماغ البشري

الأساس الذي يقوم عليه التعلم العميق هو خوارزمية تُسمى “الشبكة العصبية"، وهي تحاكي شبكة الخلايا العصبية (العصبونات) في الدماغ البشري رياضياً.

في الدماغ البشري، تنتقل المعلومات البصرية التي تدخل من العين عبر العصبونات تباعاً، ليتعرف الدماغ قائلاً “هذه قطة”. الهيكل التالي هو إعادة إنتاج لهذه العملية على جهاز الكمبيوتر.

  graph LR
    Input["طبقة الإدخال (Input Layer)"] --> Hidden1["الطبقة المخفية 1"]
    Hidden1 --> Hidden2["الطبقة المخفية 2"]
    Hidden2 --> Hidden3["الطبقة المخفية 3..."]
    Hidden3 --> Output["طبقة الإخراج (Output Layer)"]
  1. طبقة الإدخال: تستقبل البيانات الأولية مثل بيانات بكسل الصورة.
  2. الطبقة المخفية (الطبقة الوسطى): طبقة تقوم باستخراج ومعالجة سمات البيانات.
  3. طبقة الإخراج: تصدر الاستنتاج النهائي (مثل “قطة بنسبة 99%”).

إن تكديس هذه الطبقات المخفية (الطبقات الوسطى) في عدة طبقات عميقة (Deep) هو ما يُطلق عليه التعلم العميق.

3. لماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن “يتعلم”؟ (الأوزان وخوارزمية الانتشار الخلفي للخطأ)

داخل الشبكة العصبية، ترتبط العصبونات ببعضها البعض بخطوط، ويُعين لكل اتصال قيمة رقمية تُسمى “الوزن (Weight)”. هذا “الوزن” هو بالضبط جوهر “ذكاء” الذكاء الاصطناعي.

خطوات التعلم (خوارزمية الانتشار الخلفي للخطأ: Backpropagation)

  1. نعرض “صورة قطة” على الذكاء الاصطناعي. في البداية، تكون “الأوزان” عشوائية، فيقوم الذكاء الاصطناعي بحسابات عشوائية ويعطي إجابة خاطئة قائلاً “هذا كلب”.
  2. نحسب “الخطأ (حجم الخطأ)” بين الإجابة الصحيحة (قطة) والإجابة التي قدمها الذكاء الاصطناعي (كلب).
  3. نقوم بتغذية معلومات هذا الخطأ في الاتجاه العكسي من طبقة الإخراج نحو طبقة الإدخال.
  4. باستخدام التفاضل والتكامل الرياضي (خوارزمية الانحدار الاشتقاقي)، حيث يُقال “لو قمنا بتقليل هذا الوزن قليلاً في ذلك الوقت، لكنا أقرب إلى الإجابة الصحيحة”، يتم تعديل “أوزان” الشبكة بالكامل بشكل طفيف.

يتم تكرار هذه الخطوات من 1 إلى 4 عشرات الآلاف من المرات باستخدام ملايين الصور (هذا هو “التعلم”). عندها، يتم تحسين “أوزان” الشبكة تدريجياً، وفي النهاية يولد ذكاء اصطناعي ذكي “قادر على التعرف بدقة على القطة حتى عند عرض صورة غير معروفة له”.

4. تطور وحدات المعالجة الرسومية (GPU) أيقظ التعلم العميق

في الواقع، كانت نظريات الشبكات العصبية والانتشار الخلفي للخطأ موجودة منذ ثمانينيات القرن العشرين. ولكن في ذلك الوقت تم التخلي عنها لسبب أن “زيادة عمق الطبقات تؤدي إلى زيادة هائلة في حجم العمليات الحسابية، ولا يمكن لأجهزة الكمبيوتر في ذلك الوقت معالجتها”.

في عام 2012، ما أيقظ هذه النظرية النائمة كان “وحدات المعالجة الرسومية GPU (بطاقات الرسوميات)” و”البيانات الضخمة (Big Data)”.

صُممت وحدات المعالجة الرسومية GPU أساساً كمكونات لرسم رسوميات الألعاب ثلاثية الأبعاد، وتعتمد على تصميم يسمح “بإجراء عمليات ضرب المصفوفات البسيطة بالتوازي دفعة واحدة باستخدام آلاف الأنوية”. توافق هذا بشكل مذهل مع عمليات الضرب الهائلة للشبكات العصبية. باستخدام كميات كبيرة من وحدات المعالجة الرسومية من شركة NVIDIA، أصبح التعلم الذي كان يستغرق أشهراً في الماضي يكتمل في بضعة أيام، مما أدى إلى انفجار الطفرة الثالثة للذكاء الاصطناعي.

5. التطور من التعرف على الصور إلى “الذكاء الاصطناعي التوليدي (LLM)”

حقق التعلم العميق في البداية نجاحاً كبيراً في “التعرف على الصور (CNN)”. بعد ذلك، حقق دقة تفوق قدرة البشر في مجالات مثل “التعرف على الصوت” و"الترجمة (RNN)".

وفي الوقت الحاضر، ظهرت بنية تُسمى “Transformer” وهي تطور للتعلم العميق، مما أدى إلى ولادة شبكات عصبية ضخمة تعلمت من كميات هائلة من البيانات النصية الموجودة على الإنترنت. هذا هو “النموذج اللغوي الكبير (LLM)"، وهو الجوهر الحقيقي لـ “الذكاء الاصطناعي التوليدي” الذي نستخدمه يومياً مثل ChatGPT.

6. الخلاصة

التعلم العميق هو تقنية وُلدت من اندماج خوارزمية مستوحاة من آلية عمل الدماغ البشري مع الموارد الحسابية الهائلة الحديثة (GPU).

إن هذا التحول النموذجي المتمثل في “عدم برمجة المنطق للوصول إلى الإجابة الصحيحة للذكاء الاصطناعي” بل “أن يكتشف الذكاء الاصطناعي المنطق (الأوزان) بنفسه من البيانات”، يُعد واحداً من أهم الثورات في تاريخ تكنولوجيا المعلومات، وهو الآن يعيد تشكيل المجتمع بأسره.

comments powered by Disqus