1. مقامرة الأحلام بقيمة متوقعة “لانهائية”
بينما تتجول في كازينو، يدعوك الموزع للعب لعبة رمي عملة معدنية جديدة كالتالي.
【قواعد اللعبة】
- تدفع رسوم الدخول لبدء اللعبة.
- يتم رمي عملة معدنية. إذا ظهر وجه، تتضاعف جائزتك المالية ويمكنك الرمي مرة أخرى.
- إذا ظهر ظهر، تنتهي اللعبة. ستحصل على الجائزة المالية التي تراكمت حتى تلك اللحظة.
تبدأ الجائزة الأولية من دولارين.
- إذا ظهر ظهر في الرمية الأولى، تحصل على دولارين وتنتهي اللعبة.
- إذا ظهر وجه في الرمية الأولى وظهر في الرمية الثانية، تحصل على 4 دولارات وتنتهي اللعبة.
- إذا ظهر وجه في الرميتين الأولى والثانية، وظهر في الرمية الثالثة، تحصل على 8 دولارات وتنتهي اللعبة.
- …وبعد ذلك، طالما استمر ظهور الوجه، ستتضاعف الجائزة المالية إلى 16 دولارًا، 32 دولارًا، 64 دولارًا… وهكذا.
الآن، إليك سؤال. إذا كانت رسوم الدخول لهذه اللعبة هي “10,000 دولار”، فهل ستشارك؟
ربما سيجيب معظم الناس “لن أشارك”. لأن هناك احتمال بنسبة النصف أن يظهر ظهر في الرمية الأولى، ولن تحصل إلا على دولارين، وتخسر خسارة فادحة.
ومع ذلك، إذا قمت بحسابها بدقة وفقاً لنظرية الاحتمالات الرياضية (القيمة المتوقعة)، فستكتشف حقيقة مذهلة. رياضياً، سواء كانت رسوم الدخول 10,000 دولار أو 100 مليون دولار، يجب عليك المشاركة في هذه اللعبة حتى لو اضطررت لاقتراض كل أموالك.
لماذا هذا؟
2. لنحسب القيمة المتوقعة
هناك مؤشر رياضي لتحديد ما إذا كانت المقامرة “مربحة أم خاسرة” يسمى “القيمة المتوقعة”. تمثل القيمة المتوقعة “المتوسط الذي ستربحه في كل مرة عند تكرار اللعبة عدة مرات”. صيغة الحساب هي مجموع “(الجائزة المالية) × (احتمالها)” لجميع الحالات الممكنة.
لنحسب القيمة المتوقعة لهذه اللعبة.
احتمال ظهور ظهر في المرة الأولى: $\frac{1}{2}$ الجائزة هي $2$ دولار. المساهمة في القيمة المتوقعة = $2 \times \frac{1}{2} = 1$ دولار
احتمال ظهور ظهر في المرة الثانية: يظهر وجه ثم ظهر، لذا $\frac{1}{2} \times \frac{1}{2} = \frac{1}{4}$ الجائزة هي $4$ دولارات. المساهمة في القيمة المتوقعة = $4 \times \frac{1}{4} = 1$ دولار
احتمال ظهور ظهر في المرة الثالثة: يظهر وجه ثم وجه ثم ظهر، لذا $(\frac{1}{2})^3 = \frac{1}{8}$ الجائزة هي $8$ دولارات. المساهمة في القيمة المتوقعة = $8 \times \frac{1}{8} = 1$ دولار
احتمال ظهور ظهر في المرة $n$: $(\frac{1}{2})^n$ الجائزة هي $2^n$ دولار. المساهمة في القيمة المتوقعة = $2^n \times (\frac{1}{2})^n = 1$ دولار
بعبارة أخرى، بغض النظر عن المرة التي تنتهي فيها اللعبة، فإن القيمة المتوقعة لذلك النمط تكون دائماً “1 دولار”. نظراً لأن اللعبة يمكن أن تستمر إلى الأبد، فإن جمع كل هذه القيم المتوقعة يعطينا ما يلي.
$$ \text{القيمة المتوقعة الإجمالية} = 1 + 1 + 1 + 1 + \dots = \infty \text{ (لانهائية)} $$كانت الإجابة التي قدمتها الرياضيات هي أن “القيمة المتوقعة لهذه اللعبة لانهائية”. بما أن القيمة المتوقعة لانهائية، بغض النظر عن مدى ارتفاع رسوم الدخول، فمن الناحية النظرية، يجب أن تكون بالتأكيد “مقامرة مربحة”.
هذه هي “مفارقة سانت بطرسبرغ” التي طرحها نيكولاوس برنولي في عام 1713. هناك تناقض حاد بين نتيجة الحساب الرياضي الصحيحة (لها قيمة لانهائية) والإحساس البشري الواقعي (لا أريد أن أدفع سوى بضعة دولارات).
3. اكتشاف “المنفعة” الذي يحل الفجوة بين الرياضيات والبشر
الشخص الذي حل هذه المفارقة هو عالم الرياضيات العبقري دانيال برنولي، ابن عم نيكولاوس. (سُميت بهذا الاسم لأنه قدم هذه الورقة البحثية في أكاديمية العلوم في سانت بطرسبرغ).
تعمق دانيال في علم النفس البشري. واعتقد أن “البشر لا يحكمون على الأشياء بناءً على ‘المبلغ المطلق’ للمال، بل بناءً على ‘مستوى الرضا (المنفعة)’ الذي يجلبه هذا المال”.
يسمى هذا “قانون تناقص المنفعة الحدية”.
تنخفض قيمة المال حسب الكمية التي تمتلكها
على سبيل المثال، عندما تكون عطشاناً جداً في الصحراء، فإن الكأس الأول من الماء له قيمة (مستوى رضا) تجعلك “مستعداً لدفع 10,000 دولار لشربه”. ومع ذلك، مع شربك للكأس الثاني والثالث، تنخفض قيمة كل كأس إضافي باستمرار. بحلول الكأس العاشر، قد تقول “لا أريده حتى لو كان مجانياً”.
المال يعمل بنفس الطريقة.
- “المليون دولار” الذي يحصل عليه شخص ليس لديه مدخرات له قيمة هائلة يمكن أن تنقذ حياته.
- ومع ذلك، فإن “المليون دولار” الذي يحصل عليه إيلون ماسك، الذي يمتلك أصولاً بمليارات الدولارات، له قيمة (مستوى رضا) تعادل عملة معدنية صغيرة ملقاة على جانب الطريق.
وبعبارة أخرى، حتى لو تضاعفت الجائزة المالية بشكل لا نهائي من 2 دولار $\rightarrow$ 4 دولارات $\rightarrow$ 8 دولارات $\rightarrow$ 16 دولارًا… فإن “السعادة (المنفعة)” التي يشعر بها الإنسان لا تزداد بشكل لا نهائي بالتناسب مع المبلغ.
4. إعادة حساب القيمة المتوقعة باستخدام “المنفعة”
افترض دانيال برنولي أن “قيمة (منفعة) المال التي يشعر بها الإنسان تتناسب مع لوغاريتم ($\log$) المبلغ”.
إذا كان المبلغ هو $x$، فيمكننا التعبير عن القيمة (المنفعة) التي يشعر بها الإنسان $u(x)$ كدالة لوغاريتمية (هنا نفكر في نموذج بسيط أساسه 2).
- منفعة الجائزة $2$ دولار: $\log_2(2) = 1$
- منفعة الجائزة $4$ دولارات: $\log_2(4) = 2$
- منفعة الجائزة $8$ دولارات: $\log_2(8) = 3$
- منفعة الجائزة $2^n$ دولار: $\log_2(2^n) = n$
تتضاعف المبالغ، لكن “سعادة” الإنسان تزداد شيئاً فشيئاً فقط كـ 1، 2، 3… دعونا نحسب القيمة المتوقعة (المنفعة المتوقعة) مرة أخرى باستخدام هذه “المنفعة”.
$$ \text{المنفعة المتوقعة} = \sum_{n=1}^{\infty} \left( n \times \left(\frac{1}{2}\right)^n \right) $$ $$ = 1 \cdot \frac{1}{2} + 2 \cdot \frac{1}{4} + 3 \cdot \frac{1}{8} + 4 \cdot \frac{1}{16} + \dots $$عند حساب مجموع هذه المتسلسلة اللانهائية، لا تكون النتيجة “لانهائية”، بل تتقارب إلى “2”. إذا حسبنا عكسياً المبلغ الذي تكون منفعته “2”، نحصل على $2^2 = 4$ دولارات.
بعبارة أخرى، عندما نعيد الحساب مع دمج علم النفس البشري (المنفعة)، نصل إلى إجابة منطقية وواقعية للغاية وهي أن “قيمة هذه اللعبة، وفقاً للإدراك البشري، تبلغ حوالي ‘4 دولارات’ فقط”. لهذا السبب، لسنا مستعدين لدفع 10,000 دولار مقابل هذه اللعبة.
5. الخلاصة: المفارقة التي فتحت أبواب علم الاقتصاد
كانت مفارقة سانت بطرسبرغ مفارقة رائدة أثبتت رياضياً أن الأرقام الموضوعية مثل “المبلغ” والقيم الذاتية مثل “مستوى رضا الإنسان” لا يتطابقان.
أصبح مفهوم “المنفعة (Utility)” الذي اقترحه دانيال برنولي، بعد 200 عام، الأساس الأكثر أهمية للاقتصاد الجزئي الحديث والهندسة المالية (مثل نظرية المحفظة الاستثمارية). يمكن أيضاً تفسير سلوكياتنا مثل شراء التأمين أو تنويع الاستثمارات، بالكامل من خلال هذه الآلية النفسية البشرية المتمثلة في “تناقص المنفعة الحدية (ألم الخسارة الفادحة يفوق بكثير متعة الربح الكبير)”.
لقد أصبحت مسألة حسابية بسيطة لمقامرة الحافز لفك رموز العقل البشري وخلق مجال دراسي ضخم يُعرف بعلم الاقتصاد.
