1. مقدمة: مبولة البورسلين عام 1917 وصندوق الصابون الخشبي عام 1964
في أبريل 1917، استعدت جمعية الفنانين المستقلين (Society of Independent Artists) في نيويورك لافتتاح معرضها الأول تحت شعار ديمقراطي جذري: «لا لجنة تحكيم، ولا جوائز». كان لأي فنان يدفع رسوم اشتراك قدرها ستة دولارات الحق في عرض عملين. وقبل الافتتاح بأيام، وصل صندوق باسم فنان مجهول يُدعى «ريتشارد مات»: كان بداخله مبولة قياسية من البورسلين الأبيض اشتُريت من صالة عرض شركة J.L. Mott للأدوات الصحية، وقد أُديرت بزاوية $90^\circ$، ووُقِّعت بطلاء أسود «R. Mutt 1917»، وحملت عنوان «النافورة» (Fountain).
كان المدبر الحقيقي وراء «ريتشارد مات» هو الفنان الطليعي الفرنسي مارسيل دوشامب (1887–1968)، رئيس لجنة التعليق في المعرض نفسه. منذ عام 1913، دأب دوشامب على تجريب ما أسماه «الجاهزات» (Readymades) (عجلة الدراجة 1913، حامل الزجاجات 1914) للإطاحة بما سماه بازدراء «الفن الشبكي» (art rétinien) — أي الرسم الذي يقتصر على إمتاع العين الجسدية — وإعادة الفن إلى خدمة الفكر (cosa mentale)، مشترطاً اختيار الغرض الجاهز في حالة من «اللامبالاة الجمالية» (anesthésie) التامة. وحينما رفض مجلس الإدارة عرض «النافورة» بحجة أنها «مجرد أداة سباكة عادية»، استقال دوشامب ونشر في مايو 1917 في المجلة الدادائية The Blind Man الدفاع الشهير الذي غيّر مسار فلسفة الفن في القرن العشرين:
«سواء صنع السيد مات النافورة بيديه أم لا، فذلك لا أهمية له إطلاقاً. لقد اختارها (CHOSE). أخذ غرضاً عادياً من الحياة، ووضعه بحيث اختفت دلالته النفعية تحت العنوان الجديد وزاوية النظر الجديدة — لقد خلق فكرة جديدة لذلك الغرض.»
وبعد قرابة نصف قرن، في أبريل 1964، ملأ آندي وارهول (1928–1987) قاعة Stable Gallery في مانهاتن بأكوام من «صناديق بريلو» (Brillo Boxes) — وهي صناديق من الخشب الرقائقي مطبوعة بالشاشة الحريرية بحيث تبدو مطابقة بصرياً لصناديق الكرتون التجارية للييف الصابون Brillo المكدسة في المتاجر الكبرى. وعند زيارة المعرض، أدرك فيلسوف جامعة كولومبيا آرثر دانتو (1924–2013) أن دوشامب ووارهول قد طرحا مشكلة النظائر التي لا يمكن التمييز بينها إدراكياً (Perceptually Indiscernible Counterparts):
- لماذا تُعَد المبولة رقم 100 («النافورة») تحفة فنية بينما تظل المائة إلا واحدة المتبقية في المستودع «مجرد أشياء حقيقية» (mere real things)؟
- لماذا يُعَد «صندوق بريلو» لوارهول عملاً نحتياً بينما لا يُعَد كرتون بريلو التجاري الذي صممه جيمس هارفي فناً؟
2. انهيار الجوهرانية الجمالية الكلاسيكية: المحاكاة، التعبير، والشكل الدال
منذ أفلاطون حتى منتصف القرن العشرين، فُهِم مشروع تعريف الفن بوصفه بحثاً عن شروط ضرورية وكافية:
$$\forall x \Big( \text{Art}(x) \iff C_1(x) \land C_2(x) \land \dots \land C_n(x) \Big)$$غير أن النماذج الكلاسيكية الثلاثة الكبرى تنهار أمام الأعمال الجاهزة والنظائر المتطابقة بصرياً:
- المحاكاة / نظرية التقليد (Mimesis — أفلاطون الجمهورية الكتاب العاشر، أرسطو فن الشعر): الفن بوصفه محاكاة للطبيعة. دحضتها الموسيقى المطلقة، والفن التجريدي (كاندينسكي، موندريان)، و*«نافورة»* دوشامب التي لا تصور مبولة بل هي مبولة بالفعل — في حين أن عشرات الآلاف من صناديق بريلو الخارجة من خط الإنتاج تنسخ النموذج الأصلي دون أن تكون فناً.
- نظرية التعبير (Expression Theory — ليو تولستوي ما الفن؟، كولينغوود مبادئ الفن): الفن بوصفه توضيحاً ونقلاً لانفعال الفنان الذاتي. دحضتها «اللامبالاة الجمالية» لدى دوشامب، والطباعة الآلية لدى وارهول («أريد أن أكون آلة»)، وموسيقى المصادفة لدى جون كيج (4'33").
- الشكلانية (Formalism — كلايف بيل Art 1914، روجر فراي، مونرو بيردزلي): تعريف الفن بـ «الشكل الدال» (Significant Form) المثير للانفعال الجمالي. غير أن حجة التطابق الإدراكي تدحض هذه الأطروحة صورياً:
ليكن $O_{\text{art}}$ هو «نافورة» دوشامب (أو «صندوق بريلو» لوارهول) وليكن $O_{\text{mere}}$ نظيره العادي في المستودع. ولتكن $P_{\text{vis}}(x)$ مجموعة الخصائص البصرية والشكلية الظاهرة للغرض $x$. بحكم الفرض:
$$P_{\text{vis}}(O_{\text{art}}) = P_{\text{vis}}(O_{\text{mere}}) \quad \Big( O_{\text{art}} \approx_{\text{percept}} O_{\text{mere}} \Big)$$ومع ذلك، فإن وضعهما الأنطولوجي بالنسبة إلى الفن متناقض تماماً:
$$\text{Art}(O_{\text{art}}) \land \neg\text{Art}(O_{\text{mere}})$$فلو كانت صفة الفن تابعة حصراً للخصائص البصرية الظاهرة $P_{\text{vis}}(x)$، فإما أن تكون جميع المباول في مستودعات السباكة أعمالاً فنية بالفعل، وإما ألا تكون «النافورة» و*«صندوق بريلو»* فناً. وعليه، فإن الحد الأنطولوجي الفاصل بين الفن واللافن لا يمكن أن يكمن في أي خاصية إدراكية ظاهرة للغرض ذاته.
| النموذج الكلاسيكي | أبرز الفلاسفة | الأطروحة المركزية (الجوهر المقترح) | كيف تدحضه الجاهزات والنظائر المتطابقة إدراكياً |
|---|---|---|---|
| المحاكاة (Mimesis) | أفلاطون، أرسطو، فازاري | الفن هو محاكاة أو تمثيل للطبيعة والفعل الإنساني | التجريد لا يحاكي شيئاً؛ النافورة تقدم الشيء ذاته؛ نسخ المصانع ليست فناً |
| نظرية التعبير | تولستوي، كولينغوود | الفن هو التوضيح التخيلي ونقل المشاعر الداخلية للفنان | «اللامبالاة الجمالية» لدوشامب وآلية وارهول ومصادفات كيج تقصي العاطفة |
| الشكلانية (Formalism) | كلايف بيل، روجر فراي، بيردزلي | يُعرَّف الفن بـ «الشكل الدال» الذي يثير التجربة الجمالية | أمام غرضين متطابقين بصرياً ($O_{\text{art}} \approx_{\text{percept}} O_{\text{mere}}$)، يعجز الشكل البصري عن التمييز |
flowchart TD
A["النظائر المتطابقة إدراكياً:<br/>O_art ('النافورة'، 'صندوق بريلو') ≈ O_mere (مبولة المستودع، الكرتون)"] --> B{"هل تتبع صفة الفن حصراً<br/>الخصائص البصرية الظاهرة P_vis(x)؟"}
B -->|"نعم (الجوهرانية الكلاسيكية والشكلانية)"| C["انهيار منطقي:<br/>إما أن كل سباكة المستودعات فن،<br/>وإما أن 'النافورة' و'صندوق بريلو' ليسا فناً"]
B -->|"لا (الجماليات التحليلية بعد 1950)"| D{"هل يمتلك الفن أي جوهر مشترك<br/>(شروط ضرورية وكافية)؟"}
D -->|"لا (اللاجوهرانية)"| E["موريس فايتس (1956):<br/>الفن 'مفهوم مفتوح' تربطه فقط<br/>التشابهات العائلية الفيتغنشتاينية"]
D -->|"نعم، في خصائص علائقية غير ظاهرة"| F["نقد موريس ماندلبوم (1965):<br/>التحول من السطح البصري إلى السياق العلائقي<br/>والتاريخي والنظري والمؤسسي"]
F --> G["آرثر دانتو (1964/1981):<br/>عالم الفن، القصدية (Aboutness) والمعنى المتجسد"]
F --> H["جورج ديكي (1974/1984):<br/>النظرية المؤسسية للفن (إضفاء المكانة)"]
F --> I["ليفينسون (1979) وغوت (2000):<br/>التعريفات التاريخية-القصدية والعنقودية"]
3. اللاجوهرانية الفيتغنشتاينية لدى موريس فايتس والتحول العلائقي لدى ماندلبوم
3.1 «التشابهات العائلية» عند فيتغنشتاين و«المفهوم المفتوح»
في ورقته الشهيرة «دور النظرية في علم الجمال» (1956)، طبّق موريس فايتس (1916–1981) تحليل كلمة «لعبة» (Spiel) الذي قدمه لودفيغ فيتغنشتاين في تحقيقات فلسفية (1953، §§65–75) على مفهوم الفن. فبين ألعاب الألواح، والورق، والكرة، والألعاب الأولمبية لا يوجد قاسم مشترك واحد، بل «شبكة معقدة من التشابهات المتداخلة والمتقاطعة» — أي «تشابهات عائلية» (Familienähnlichkeiten). ولأن الإبداع التوسعي وكسر القواعد جزء من منطق الممارسة الفنية ذاته، فإن «الفن» عند فايتس هو «مفهوم مفتوح» (Open Concept) لا يمكن إغلاقه بشروط ضرورية وكافية دون خنق الإبداع.
3.2 النقد الحاسم لموريس ماندلبوم (1965): الخصائص العلائقية غير المعروضة
في عام 1965، كشف موريس ماندلبوم المفارقة الكامنة في استعارة فيتغنشتاين: ما الذي يجعل الملامح المتشابهة في ست صور شخصية تشابهات عائلية بدلاً من تشابه عابر بين غرباء؟ إنه اشتراكهم في خاصية علائقية وراثية غير ظاهرة (سلف بيولوجي مشترك) لا تُرى على سطح الصور نفسه! وعلاوة على ذلك، لو كان التشابه البصري كافياً، لكانت أكثر الأشياء شبهاً بـ «النافورة» هي ملايين المباول العادية في المستودعات. وهكذا أثبت ماندلبوم أن فشل الجوهرانية البصرية يبرهن أن جوهر الفن يكمن في خصائص علائقية غير ظاهرة (القصد، التاريخ، المؤسسة).
4. «عالم الفن» (1964) و*«تجلّي المألوف»* (1981) لآرثر دانتو
في مقاله الصادر في أكتوبر 1964 بعنوان «عالم الفن» (The Artworld)، صاغ آرثر دانتو أشهر عبارة في علم الجمال الحديث:
«إن رؤية شيء ما بوصفه فناً تتطلب شيئاً لا تستطيع العين أن تبصره — جواً من النظرية الفنية، ومعرفة بتاريخ الفن: أي عالم فن (an artworld).»
4.1 التجربة الفكرية: صالة المربعات الحمراء المتطابقة
في رائعته الصادرة عام 1981 «تجلّي المألوف» (The Transfiguration of the Commonplace)، يتخيل دانتو صالة عرض تضم تسع لوحات مستطيلة مطلية جميعها بالأحمر الكادميوم ومستحيلة التمييز فيزيائياً:
- عبور بني إسرائيل البحر الأحمر (لوحة تاريخية حيث غرق جيش فرعون للتو)
- مزاج كيركغور (بورتريه سيكولوجي تعبيري)
- الساحة الحمراء (منظر هندسي لساحة موسكو)
- نيرفانا (لوحة ميتافيزيقية بوذية)
- مفرش المائدة الأحمر (طبيعة صامتة وحشية لأحد تلاميذ ماتيس)
- بدون عنوان (لوحة أحادية اللون تقليلية تؤكد تسطح اللوحة)
- قماشة جورجوني المجهَّزة (لوحة من القرن السادس عشر طلى عليها المعلم البندقي طبقة تأسيس من الرصاص الأحمر قبل وفاته بالطاعون — وهي ليست عملاً فنياً)
- مجرد سطح مطلي بالأحمر (طلاه دهّان يختبر أسطوانة الطلاء — «مجرد شيء حقيقي»)
- بدون عنوان («عن لا شيء») للفنان المفاهيمي J (عُرضت ببيان سجالي يعلن أنها «لا تدور حول أي شيء إطلاقاً»)
4.2 شرطا دانتو الضروريان: القصدية (Aboutness) والمعنى المتجسد (Embodied Meaning)
للتمييز بين الأعمال الفنية (1–6 و9) والأشياء العادية (7 و8)، يضع دانتو شرطين ضروريين:
- القصدية الدلالية (Aboutness / «الكون-حول-شيء»): كل عمل فني يدور حول شيء ما (حتى اللوحة 9 للفنان J تدور ميتا-فنياً حول التضاد بين الفن والمادية الفارغة، تماماً كالرقم $0$ في الرياضيات). أما كرتون بريلو في المتجر فلا يدور حول أي شيء.
- المعنى المتجسد (Embodied Meaning): بخلاف المقال الصحفي، لا يكتفي العمل الفني بذكر معناه، بل يجسّد معناه في حامله المادي كاستعارة بصرية أو قياس إضماري بلاغي (enthymeme).
5. النظرية المؤسسية للفن عند جورج ديكي (1974/1984) ومعضلة وولهايم
قدم الفيلسوف جورج ديكي (1926–2020) في كتابه Art and the Aesthetic (1974) قراءة سوسيولوجية وإنجازية لعالم الفن:
[التعريف المؤسسي للفن عند ديكي (1974)] العمل الفني بالمعنى التصنيفي هو (1) مصنوع بشري (artifact)، (2) أُضفيت على مجموعة من جوانبه مكانة «مرشح للتذوق والتقدير» (candidate for appreciation) من قِبل شخص أو أشخاص يتصرفون بالنيابة عن مؤسسة اجتماعية معينة (عالم الفن) — وغالباً ما يكون الفنان نفسه.
5.1 معضلة ريتشارد وولهايم (1980): مشكلة «أوثيفرون» في الجماليات
في عام 1980، واجه ريتشارد وولهايم (1923–2003) نظرية ديكي بمعضلة قاتلة مستلهمة من محاورة أوثيفرون لأفلاطون:
عندما يضفي ممثلو عالم الفن مكانة الفن على غرض $x$، فهل يفعلون ذلك لأسباب فنية وجيهة $R$، أم بصورة اعتباطية محضة بلا أسباب؟
- القرن الأول (لأسباب وجيهة): إذا كانت هناك حاجة لأسباب جوهرية $R$ (مثل المعنى المتجسد عند دانتو)، فإن تلك الخصائص $R$ هي التي تجعل $x$ عملاً فنياً، وما دور المؤسسة إلا تصديق لاحق.
- القرن الثاني (إضفاء اعتباطي): إذا لم تكن هناك حاجة لأي سبب، ينحدر الفن إلى لعبة بيروقراطية فارغة تعجز عن تفسير سبب تقدير البشرية العميق للفن.
فضلاً عن ذلك، تعجز النظرية المؤسسية عن تفسير فن المنعزلين (Outsider Art) (مثل ملحمة هنري دارجر السرية) والفن البدائي الأول (Ur-Art) في كهوف لاسكو وشوفيه قبل 30 ألف عام من ظهور أي مؤسسة متحفية.
6. القصدية التاريخية ونظرية العنقود (Cluster Account)
لتجاوز هذه المآزق، برزت مقاربتان معاصرتان:
- التعريف التاريخي-القصدي لجيرولد ليفينسون (1979): يكون الغرض $x$ عملاً فنياً في الزمن $t$ إذا وفقط إذا كان مالكه الشرعي يقصد بجدية أن يُنظَر إلى $x$ (regarded) بإحدى الطرق التي نُظِر بها على نحو صحيح إلى الأعمال الفنية السابقة على $t$. وعبر الإحالة التراجعية حتى الفن البدائي الأول ($t_0$)، يشمل هذا التعريف الناسك المنعزل والطليعة الفنية معاً.
- حساب العنقود (Cluster Account) لبيريس غوت (2000): توجد حزمة من نحو عشر خصائص ذات صلة (الخصائص الجمالية، التعبير العاطفي، التحدي الفكري، المعنى المركب، المهارة والقصد الفني): لا توجد خاصية واحدة ضرورية بمفردها، لكن أي مجموعة جزئية كافية منها تجعل الغرض عملاً فنياً.
flowchart TD
subgraph Hist["المقاربة التاريخية-التراجعية (Levinson 1979 / Carroll 1993)"]
U["t_0 : الفن البدائي الأول (Ur-Arts: لاسكو، الطقوس)<br/>يرسي أنماط النظر التأسيسية R_0"] -->|"إحالة تراجعية"| T1["t_1 : الأعمال الكلاسيكية والحديثة<br/>توسع أنماط النظر (R_1 ... R_{n-1})"]
T1 -->|"سردية تاريخية من التكرار<br/>أو التضخيم أو الرفض"| Tn["t_n : أعمال الطليعة ('النافورة'، 'صندوق بريلو')<br/>قصد جاد لأن يُنظر إليها كما نُظر للفن السابق"]
end
subgraph Cluster["مقاربة العنقود التعددية (Berys Gaut 2000)"]
C1["1. خصائص جمالية"] & C2["2. تعبير عاطفي"] & C3["3. تحدٍ فكري"] & C4["4. معنى مركب (Aboutness)"] & C5["5. مهارة وقصد فني"]
C1 & C2 & C3 & C4 & C5 -->|"لا شرط ضروري واحد؛<br/>أي مجموعة جزئية كافية تنتج الفن"| Art["تفسير موحد للروائع الكلاسيكية<br/>والحرف والجاهزات والفن المفاهيمي"]
end
